مشروع الوقف الخيري
القائمة الرئيسية
فتيات الرحمة

إجمالي الزيارات
50,708
Advertising

قصص من واقعنا

الأبتسامة الأخيرة

الأبتسامة الأخيرة


يوم لم أعرف أنه سيكون الأخير ,والأخير فعلاً لعمر تلك الإبتسامة التي غابت شمسهتا إلى الأبد ..

ذهبت إلى المدرسة ,وبعد عودتي علمت بمجيئه وإعطائه حلوى لإخوتي ,وتجاهلت حينها وذهبت إلى المطبخ لمساعدة أمي ,وبعد الإفطار والصلاة تناولنا معاً الوجبة الأخيرة ,العشاء الأخير الذي أعدته تلك الأنامل التي تقطر حناناً وحباًوكفاحاً .

ذهبت أمي لزيارة أختها التي وضعت طفلاً ..
وبقينا معاً في المنزل الذي إستأجرته لنا بقرب منزل جدتي وجدي الذي كان يرسل لقلب أمي تلك السهام الموجعة على متن تلك العبارات والتصرفات لتخرج من المنزل الذي لاذت به بعد إنفصالها عن والدي الذي صارعها حتى طلقها وأنا في 12 من العمر ,خرجت أمي من ذلك المنزل ممسكة بيد أخي المشاكس ,وأختاي الصغيرتين ,فقيرة معدمة وحيدة ,لتبدأ في ذلك البيت مأساة الجوع الذي بدأ رحلته معنا , والبحث اليومي عن عمل ..

وبعد أن خرجت أمي من المنزل بلحظات في ذلك اليوم ..
أغمض النور عينيه بإنقطاع التيار الكهربائي فجأة ,فأضاءت تلك الشمعة لإخوتي ,لكن ثمة نور آخر كان يستعد ليفقد ضياءه للأبد , بعد تلك الطرقات المرعبة المفزعة التي تتالت حينها كرصاص منهمر على الباب ,وتعالى ذلك الصوت المرعب بوحشية ..
  -إفتحوا الباب ...افتحوا الباب ..
 - إنه هو ...هو ..
دب في قلبي ذلك الرعب الملثم الذي لاأعرفه إلاّ عندما أسمع صوته ,تمالكت ما تبقى من نبضات قلبي المفزوعة الفارّة ورفعت صوتي بخوف ..
 -أمي ليست هنا ..
ولم أجرؤ على فتح الباب .
 صرخ برعونة ...
أين ذهبت ....؟!
وجدت نفسي أخبره دون تفكير ,هرول مسرعاً ,وكل نبرة من نبرات صوته تتطاير بنية شر غادر قادم ,يهرع إلينا كما تهرع تلك الخطوات السريعة التي كان يمشي بها على الأرض ,أو بالأحرى على نبضات قلبي المرتجفة .

قلبي يؤلمني ,هكذا فهمت من نبضاته ,ووضعت يدي عليه بقوة أطمئنة وأنا أدعو أن لا يصيب أمي أذى منه ,فما أصابها يكفي لهلاكها .
وفي تلك اللحظة وصلت امي ..
  -آه يا أمي ...لقد جاء ..
  -رأيته في الشارع لكنه لم يراني ,أعمى ظلام روحه والشارع عينيه .

دقائق بعدها أقبلت أختي الكبيرة مع ابنتها واجتمعنا معاً ,وحدي كنت أشعر بذلك الشعور وأنا أتأمل امي بصمت ,كانت غريبة حينها ,كانت نظراتها غريبة حنانها غربي ,حتى أنها سمحت لإخوتي بدخول المطبخ ,وهي تمنعهم من ذلك دائماً ,وبتسمت ...إبتسمت تلك الإبتسامة ...آخر إبتسامة , إبتسامة ثكلى يتأرجح فيها الوجع والحرمان والألم والحسرة ,وتلوح بين ثناياها أكف مودعة لهذا الوجود .
إنها تغترف من وجوهنا وملامحنا كما يغترف ظمأى من بئر عميق في صحراء قاحلة ,كأنه يعرف أنه لن ير ذلك البئر مرة أخرى ,بقيت أمي مع أختي الكبرى حتى منتصف الليل .

وأتت الساعة المنتظرة التي قرأت علاماتها في إبتسامة أمي تلك ..
إنهالت تلك الطرقات الملعونة المتتالية على الباب ,وأدركت أمي أنه هو ...
هرولت إليها مسرعة : .
 -أمي ...أبي
 _ماذا يريد ؟!
قالتها برعب .
 _ أخبرني أنه يريد إعطائنا حلوى ..
أسرعت أمي نحو الباب ,فتحته ظناً منها أنه قد ابتعد ونزل من أمام الباب ,لكنه دفع الباب بقوة لترتمي أمي على ظهرها ,وليهرع منقضاً على فريسته كأسد جائع للدم والأشلاء ,إستل جنبيته النجسة وغدر بها أمي ,أخذ يطعنها طعنات متعددة في ظهرها ,كانت تتلوى تحاول الدفاع عن نفسها كلبؤة جريحة ,لكنه كان يضربها بإحدى يديه ويطعنها بالأخرى أمام أعيننا برجليها ويديها ,حتى قطع أوردتها ,كل طعنة كانت تعيد أمامي منظر تلك الإبتسامة بكل ملامحها ,وفسرت لي لفتتها التي لم أفهمها حينها ..

صرخنا .. استنجدنا .. ولكن لا حياة لمن تنادي ,هرعت إلى الخارج كان صاحب البقالة أول من استنجدت به صرخت : .
 _ أبي يقتل أمي ..أبي يقتل أمي .
لكنه قرر حينها أنه يكون أصم , وله قلب من حجر , لكني صرخت ..وصرخت حتى تجمع الناس وأنا أدفعهم ..وأدفعهم ليدخلوا لكنهم صموا أيضاً ..
يا إلهي ما أقسى تلك اللحظة التي يجتمع فيها كل ظلم العالم وقهره في نبضة قلب واحد , إلاّ جارتنا أسرعت إلينا ,كنت مختبئة من ذلك الوحش المفترس الذي كان يشم رائحة دمي خلف أحد المجتمعين ,وخرجت بعد رحيله لأرى .. ماذا أرى ..؟!
أمي تسبح في وتطفو في بركة من الدماء التي لطخت حتى الجدران ,فنظرت إليّ نظرة فهمت منها أنها تطلب مني أن أغطيها أمام الناس حتى وهي في تلك الحالة ,ودخل رجال الحارة لأخذها إلى المستشفى وهرعت لأخوتي وأخذتهم لبيت الجيران ,وفي المستشفى كانت المأساة الأكثر بشاعة وألماً , الوقت متأخر ,المستشفى بلا أطباء , خالتي تتوسل لذلك الحارس أن يهاتف طبيباً ,يخرج الطبيب بعد طول إنتظار من غرفة العمليات تتوسله خالتي ..
 _ أختي تموت ..
يتعجب الطبيب : لم يخبرني أحد !
أمي تنزف ودمها يغرق ذلك السرير يصرخ الطبيب : _ دم ..دم ...دم
الجميع لا يمتلكون مالاً ,لم يجد خالي إلاّ جهازه النقال ليرهنه في الصيدلية , ويسرع بالدم ,حاول الطبيب أن يخيط تلك الجراح ,وكان يصارع بقوة أنياب تلك الطعنات الموحشة لكن كان كل شيء قد قارب على الإنتهاء ,وبعد ثلاثة أيام في العناية المركزة ماتت أمي ورحلت معها تلك الإبتسامة الأخيرة , وممعها ماتت كل أفراحي ,وإبتساماتي ,التي قتل أخرها جدّي الذي هدد أختي بعد موت أمي برمينا في الشارع ,لنعيش مع زوجها الذي كان يضرب أخوتي بقسوة,

 ولكن القدر حينها رزقنا بابتسامة أخرى ,في مكان توزع فيه الرحمة ,فهو دار عرفت الأبتسامة هناك وما كنت أعرفها ,وإليه ذهبت وسأبقى فيه ,لأني فيه بدأت أبتسم إبتسامة لن تكون الأخيرة .


طباعة هذه الصفحة طباعة هذه الصفحة

نشرت بتاريخ: 2009-10-29 (238 قراءة)

[ رجوع ]
سياسة الجودة
ا لإعلان التلفزيون للرحمة
أنشودة الرحمة
s
القائمة البريدية
بحث


جميع الحقوق محفوظة © 2008-2010 مؤسسة الرحمة للتنمية الإنسانية
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية